وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً، د. سارة النتشة
يوليو 29, 2026
للمشاركة :

إنّ من أكثر الآيات التي تستوقف المتأمل في قصة أم موسى قول الله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا﴾؛ فكثيرًا ما نقرأ هذه الآية ضمن أحداث القصة، ثم ننتقل إلى ما بعدها دون أن نتوقف عند هذا الوصف العجيب، مع أنه يكشف عن واحدةٍ من أعمق الصور النفسية في القرآن الكريم. فقد كانت أم موسى عليه السلام تعيش ظرفًا استثنائياً؛ فرعون يقتل أطفال بني إسرائيل، وولدها الرضيع مهدد بالموت في أي لحظة، ثم يأتيها الأمر الإلهي بما يبدو في ظاهره أشد من الخطر نفسه بأن تلقي رضيعها في اليم، فيا لها من لحظات عصيبة!

لو نظرنا إلى هذا المشهد بعين الأم، لأدركنا أنَّ ما حدث ليس مجرد تنفيذ لأمر إلهيّ، بل صراع نفسي هائل بين غريزة الأمومة التي تدفعها إلى احتضان طفلها وحمايته، وبين يقينها بوعد الله وحسن ظنها به سبحانه؛ فبداخلها تلاطمٌ لأمواج من المشاعر وبحرٌ مضطرب من الأفكار، وتعايشٌ لمتضادات كثيرة بين الخوف والحزن والقلق والثقة والأمل واليقين بالله، وأمامها يمٌّ ينتظر قوّة إيمانٍ تدفعها لتلقي ابنها فيه!

واللافت والجميلُ أنَّ القرآن الكريم لم يُنكر على أم موسى التصرف بطبيعتها البشرية، ولم يصورها بصورة امرأة منزّهة عن المشاعر الإنسانية، بل طبطب عليها وراعى موقفها وخوفها على رضيعها أولًا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾، فأقرَّ بأنَّ الخوف أمر طبيعي -وهذا أول العلاج في الطمأنة أن تُقِرَّ بمشاعر من أمامك-، وعرضها بصورة أمٍّ تعيش أقصى درجات القلق والاضطراب والخوف على ولدها، تلاه وصف دقيق لحال الفراغ في قلبها بعد تنفيذ أمر الله بإلقاء رضيعها في اليمّ بقوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا﴾. فما معنى أن يكونَ الفؤادُ فارغًا؟

ذكر المفسِّرون أنَّ فؤادها أصبح خاليًا من كل شيءٍ إلا التفكير في موسى، ففرغ من كل خاطر إلا همّ ولدها، وبعضهم قال إنه فرَغَ من الصَّبر لشدة الخوف، وهذه الأقوال ترسم صورة واحدة، صورة الأم التي استولى القلق على مشاعرها حتى أصبح كلُّ كيانها ينادي على طفلها ويريد استرداده إلى حضنها، وهذا الوصف الدقيق ينسجم مع حالات يعرفها علم النفس اليوم؛ فحين يواجه الإنسان خطرًا شديدًا يتعلق بمن يحب، يتركز انتباهه كله على مصدر الخطر، حتى تكاد بقية اهتماماته تتلاشى مؤقتًا، وهذا ما يصوره القرآن بكلمة واحدة: (فارغًا).

ثم تأتي تتمة الآية لتؤكد شدة هذا الاضطراب: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾؛ فمشاعر أم موسى عليه السلام بلغت ذروتها خوفًا وقلقًا حتى كادت تكشف أمر وليدها وتتصرف بما يعرضه للخطر.

لكن القصة لا تقف عند وصف الخوف والقلق، بل تُبيّن كيف تعامل القرآن معهما؛ حيث انتقلت الآية تدريجيًا من حالة الانفعال البشري إلى حالة السكون الإيماني والثبات النفسي، وختم المشهد بالتثبيت الإلهي بقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا﴾، فالإيمان لم يمنع حدوث الخوف، ولم يلغِ مشاعر الأمومة الفطرية، وإنما منحها القوة حتى لا تتحول هذه المشاعر إلى انهيار، فالقلق ليس دائمًا اضطرابًا، وقد يكون استجابة طبيعية لموقف شديد الصعوبة، لكن الذي يصنع الفرق هو ما يحدث بعد ذلك: هل يستسلم الإنسان للقلق حتى ينهار، أم يستند إلى يقينه بالله فيستعيد توازنه؟

وهذه نقطة مهمة كثيرًا ما يغفل عنها الناس؛ فالقرآن لا يُقدِّم الإيمان على أنه إقصاءٌ للمشاعر الإنسانية الطبيعية، بل يقدّمه بوصفه قوة منظّمة للانفعال تعيدُ توجيه المشاعر داخل إطار من اليقين والاعتماد على الله تعالى. وقد جاء التصوير القرآنيُّ لهذه التجربة في غاية الدقة النفسية؛ حيث بدأ المشهد بالخوف والترقب، ثم انتقل إلى الإلهام الإلهي الذي يعيد ضبط الانفعال، ولحظة التسليم والتفويض بإلقاء الرضيع في اليمِّ بما تحمله من توتر نفسيٍّ بالغ، ثم إلى الاضطراب الداخلي الذي كاد يفضح الأمر، وأخيرًا التثبيت الإلهي والرَّبط على القلب، قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ۖ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: 10]، ليكتمل بناء الطمأنينة بعدئذ بتحقق الوعد الإلهي، وتكون عودة موسى عليه السلام قرة عين لأمه، وشفاءً لحزنها وقلقها، ويقينًا محققًا بوعد ربّها بقوله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: 13].

 

تصنيفات :