المولد النّبوي تجديد العهد مع الله والقدس، د. إبراهيم جبرين جويلس
أغسطس 29, 2026
للمشاركة :

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين، وبعد:

يسعدني أن ألتقي بكم في هذه المقالة وقد أظلتنا نفحات ذكرى عزيزة على نفوسنا، حبيبة إلى قلوبنا؛ إنها ذكرى مولد سيد البشرية ﷺ، مولد الهدى في زمن الضلال، مولد النور في زمن الظلام، مولد الخير في زمن الشر، مولد الحق في زمن الباطل، مولد القوة في زمن الضعف، مولد الحرية في زمن العبودية، مولد العزة في زمن الذلة، مولد العدل والرحمة في زمن الظلم والقسوة:” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ” [الأنبياء: 107].

لقد جاء النبي ﷺ في زمن كانت فيه البشرية تتخبط في ظلمات الجاهلية، فأنار الله به الطريق، وأحيا به القلوب، وأخرج به الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. جاء ليغيّر القلب قبل أن يغيّر المجتمع، ويحرّك الضمير قبل أن يشرّع القوانين، ويزرع التقوى في السر قبل أن يطالب بالصلاح في العلن. فكان ميلاده ﷺ ميلاد أمة، وميلاد رسالة، وميلاد مشروع حضاري للفرد والجماعة، للدنيا والآخرة، للعقل والقلب، للروح والمادة.

لكل ذلك، ما أحوجنا أن نعيش مع صاحب هذه الذكرى؛ مع سيرته ومسيرته، مع سنته ودعوته، مع آلامه وآماله، مع حركاته وسكناته، مع مشروعه ودولته، مع تفاصيل حياته طولاً وعرضاً وعمقاً؛ نستلهم منها الدروس، ونستحضر منها العبر. ومن ذلك أن نسأل أنفسنا: هل نحتفل بمحمد ﷺ، أم نحتفل بذكراه؟ فالفرق كبير بين أن تعرف أن محمداً ﷺ وُلد، وبين أن تجعل محمداً حاضراً في سلوكك.

  • أن تعرف أنه كان رحيماً، شيء؛ وأن تكون رحيماً بالضعفاء، شيء آخر.
  • أن تعرف أنه كان أميناً، شيء؛ وأن تكون أميناً مع منافسيك، شيء آخر.
  • أن تعرف أنه كان عادلاً، شيء؛ وأن تعدل مع خصومك وأعدائك، شيء آخر.
  • أن تحفظ شمائله، شيء؛ وأن تتحول شمائله إلى أخلاقٍ في بيتك وعملك ومؤسستك ومجتمعك، شيء آخر.

فمحبة النبي ليست مجرد ادعاء، إنما هي محبة واقتداء، قال تعالى:” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا” [الأحزاب: 21]، وقال تعالى:” قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ” [آل عمران: 31].

وفي الحديث الشريف أن رسول الله ﷺ قال:” اللهم من آمن بك، وشهد أني رسولك، فحبّب إليه لقاءك، وسهّل عليه قضاءك، وأقلل له من الدنيا، ومن لم يؤمن بك ولم يشهد أني رسولك، فلا تحبّب إليه لقاءك، ولا تسهّل عليه قضاءك، وأكثر له من الدنيا” رواه الحاكم وغيره.

فَعُودي إلى الخلّاق يا نفس واهرعي *** إلى النور والنهج القويم لتسعدي

تأسّي بأخلاق النبيّ فربّما *** تنالين صرحاً في جوار محمدِ

صحيح أننا نفرح بذكرى مولد الحبيب، لكن فرحتنا تزداد كلما تمسكت الأمة بدينها، وكلما اعتزت بعقيدتها، وكلما تحلت بأخلاقها، وكلما رأينا بيوت الله عامرة، وحلقات القرآن زاخرة، وكلما رأينا الشباب إلى الله أقرب، والنساء على العفة أحرص، والتجار إلى لقمة الحلال أسرع، وكلما رأينا الأمة إلى العلم تهرع، وكلما رأينا المسلم لأخيه أنفع. بكل ذلك وغيره تزداد الفرحة، لكنها لا تكتمل إلا عندما نرفع راية الإسلام فوق مآذن القدس وأسوار القدس، عندما يتطهر الأقصى ويتحرر الأسرى، عندما نطهّر البلاد ونتخلص من الظلم والاستبداد، قال تعالى:” وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا” [النساء: 122]، وقال:” فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ” [الروم: 60].

ختاماً: اللهم ارزقنا صدق محبة نبيك ﷺ، وحسن اتباعه والاقتداء به، وإحياء سنته والتحلي بأخلاقه، واجمعنا به في الفردوس الأعلى من الجنة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تصنيفات :