وفاة الرسول عليه السلام: الرجال يرحلون والدعوات الخالدة تبقى، د. إيمان متعب اليونس
أغسطس 29, 2026
للمشاركة :

وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من أشد ما أحزن المسلمين، كيف لا؟! ولا يكتمل إيمان مسلم إلا إذا أحب الرسول عليه السلام أكثر من نفسه!

كان حبه عليه السلام في نفوسهم جزءاً من إيمانهم، لذلك كان فراقه أمراً يفوق احتمال النفوس؛ فلم يكن غياب قائد أو معلم فحسب، بل غاب من أحبوه وتعلقت قلوبهم بروحه وشخصه قبل مكانته. فَفِي الصحيحين مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [1].

اهتزت المدينة على وفاته، فلم يكونوا مصدقين موت نبيهم لعظم قدره في نفوسهم، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يستطع إدراك أن رسول الله عليه السلام قد مات، حتى جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقال:” من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت [2]. ثم تلا قول الله تعالى:” وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ” {آل عمران: 144}.

لم تكن كلمات أبي بكر الصديق رضي الله عنه مجرد تعزية للقلوب، بل كانت تصحيحاً للبوصلة العقدية في أشد لحظات الألم؛ فالنبي عليه السلام مع عظيم قدره ورفيع منزلته، بشر اصطفاه الله تعالى لحمل رسالته وتبليغ وحيه، والعبادة لا تكون إلا لله تعالى، والدين باق ببقاء الله سبحانه، والرسالة لا تنتهي برحيل رسولها عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:” إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ” {الزمر: 30}.

وهنا يتجلى المعنى الأعمق لرحيل النبي عليه السلام؛ فرحيل صاحب الدعوة وحامل الرسالة لا يعني رحيل الدعوة؛ فما جاء به من عند الله تعالى باقٍ محفوظ، وأما أثره فهو ممتد، وما زال باقياً في العقيدة التي رسخها والأخلاق التي جسدها.

ولذلك، فإذا كان الرحيل قدراً لا يملك أحد دفعه، فالأثر اختيار، وإن رحل صاحب الدعوة التي أخلص في حملها فأثره يتجاوز عمره، وستبقى أمته تحبه وتصلي عليه. ولعل من أبلغ ما يوضح معنى بقاء الأثر بعد الرحيل قول النبي عليه السلام: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له [3].

فالإنسان حين يرحل عن هذه الدنيا ينقطع عمله وتنتهي قدرته على زيادة رصيده من الأعمال، إلا أن الله تعالى زودنا بطرق تفتح لنا أبواباً يبقى من خلالها أثرنا ممتداً بعد موتنا.

فتلك هي سنة الله تعالى في خلقه: أن ترحل الأجساد وتبقى الرسالات. فالدعوات العظيمة لا تستمد خلودها من أعمار أصحابها، وإنما من صدقها وربٍّ تكفل بحفظها. وهكذا يبقى الدرس الأعظم: أن الرجال يرحلون، ولكن الدعوات الخالدة تبقى، ويغيب الدعاة وتبقى مواقفهم ودعواتهم ما دام في الأرض لسان يذكر ويد تحمل الأمانة؛ لأن الحق لا يرتبط ببقاء الأشخاص، وإنما بقوة ما يحملونه من رسالة وما يتركونه من أثر صدق.

وإن رحل عليه الصلاة والسلام عن الدنيا، لكن سيرته وسنته وما فيهما من أخلاق وعلم وعمل هما أعظم الآثار التي عرفتها البشرية. ولذلك فإن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها قصة حزن وانتهاء، بل باعتبارها درساً خالداً في معنى الرسالة.

رحم الله من رحلوا، وأبقى آثار الصالحين، وجعل لنا من أعمالنا ما لا ينقطع برحيلنا؛ فما أجمل أن يرحل الإنسان ويبقى الخير الذي عاش من أجله شاهداً عليه!

الهوامش

[1] صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم، رقم الحديث 15.

 [2] أخرجه البخاري في التاريخ الكبير

. [3] صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق المسلم بعد وفاته، رقم الحديث 1631.

تصنيفات :