
حين تعصف الأزمات بالمجتمعات، فإنها لا تختبر قدرتها على الصمود فحسب، بل تكشف كذلك عن ترتيب أولوياتها، وعن مقدار وعيها بما ينبغي أن يُحمى مهما اشتدت المحن. وفي مقدمة ما يستحق الحماية يأتي التعليم؛ لأنه ليس خدمةً مؤقتة يمكن الاستغناء عنها، بل هو الحصن الذي تُصان به العقول، وتُبنى به الأوطان، وتُستعاد به القدرة على النهوض بعد الانكسار.
قد تُغلق مدرسة، أو يُهدم فصل، أو تضيق الموارد، لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين يتسلل إلى النفوس اعتقادٌ بأن التعليم يمكن أن ينتظر إلى ما بعد انتهاء الأزمة. فالأزمات قد تنتهي بعد شهور أو سنوات، أما آثار الانقطاع عن التعليم فقد تمتد في حياة جيل كامل، وتترك ندوباً لا تمحوها الأيام بسهولة.
وليس غريباً أن يحتل العلم هذه المنزلة الرفيعة في التصور الإسلامي؛ فقد استُهل الوحي الإلهي بكلمة عظيمة تختصر منهج أمة:” اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” [العلق: 1]، وأُمِر النبي ﷺ أن يدعو ربه قائلاً:” وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا” [طه: 114]. فبالعلم يقرأ الإنسان واقعه، ويفهم أزماته، ويمتلك أدوات الخروج منها، وبالجهل تصبح المجتمعات أكثر هشاشة أمام الخوف والفقر والاضطراب.
ومن هنا، فإن الحفاظ على التعليم في زمن الأزمات لا يمكن أن يكون مسؤولية وزارة أو مدرسة أو معلم بمفرده، بل هو عهد مجتمعي وأمانة مشتركة؛ فالأسرة مسؤولة عن إبقاء جذوة التعلم مشتعلة في نفوس أبنائها، والمعلم يحمل رسالة تتجاوز حدود الكتاب والمنهاج إلى بث الطمأنينة، وصناعة الأمل، وحماية الطالب من أن تتحول قسوة الواقع إلى يأس من المستقبل.
كما أن المؤسسات الرسمية مطالبة بألا تسمح للأزمة بأن تصنع جيلاً خارج مقاعد التعليم؛ وذلك عبر خطط طوارئ مرنة، وبدائل تعليمية فاعلة، وعدالة في الوصول إلى المعرفة، خاصة للفئات الأكثر ضعفاً وحرماناً. وفي المقابل، يقع على مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص والإعلام واجب الإسناد والمساندة للعملية التعليمية؛ لأن قوله تعالى:” وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى” [المائدة: 2] يؤسس لمعنى التكافل الذي لا يترك فرداً أو مؤسسة بمعزل عن مسؤوليتها تجاه المجتمع.
وفي فلسطين، حيث عرفت أجيال متعاقبة معنى أن يواصل الطالب طريقه إلى العلم في ظل الحصار والخوف والاضطراب، اكتسب التعليم معنى يتجاوز التحصيل المدرسي؛ فصار وسيلة لحفظ الهوية، وصون الذاكرة، وتثبيت الإنسان في أرضه وقيمه. وحين يتمسك الطفل بكتابه رغم قسوة الواقع، فإنه لا يطلب شهادة فحسب، بل يعلن أن للأمة مستقبلاً لا يجوز أن تصادره الأزمات. ومن هنا تغدو حماية التعليم حمايةً للوعي والانتماء، وحفظاً لأمانة الأجيال التي ستتولى يوماً مسؤولية البناء والإصلاح.
إن الحديث النبوي الشريف: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته“ [رواه البخاري] لا يقرر مسؤولية فردية فحسب، بل يرسم فلسفة متكاملة للمسؤولية؛ فكل من يستطيع أن يحمي حق طفل في التعلم، أو يعيد طالباً إلى كتابه، أو يدعم معلماً في أداء رسالته، فإنه يسهم في حماية مستقبل الأمة.
إن أخطر ما تخلّفه الأزمات ليس ما تهدمه من حجر، بل ما قد تكسره من إرادة، وما قد تسلبه من أمل. ولذلك، فإن حماية التعليم هي حماية للإنسان نفسه؛ فالمدرسة التي تبقى عامرة وسط المحنة ليست مجرد مكان للدراسة، بل هي إعلان بأن الحياة مستمرة، وأن المستقبل لا يزال ممكناً.
وحين تتكاتف الأسرة والمدرسة والدولة والمجتمع، يصبح التعليم فعْل مقاومةٍ للجهل، ورسالةَ أملٍ في وجه اليأس، وجسراً تعبر عليه الأوطان من زمن الأزمة إلى أفق النهوض. ولهذا سيظل التعليم، في الرخاء والشدة، أمانةً كبرى ومسؤولية الجميع.
تصنيفات : قضايا و مقالات