
إن أعظم نماذج المعلم في التاريخ الإنساني هو محمد ﷺ. قال الله تعالى:” هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ” [الجُمُعَة: 2]. فالقرآن يضع التعليم والتزكية ضمن الوظائف الأساسية للرسالة.
لكن النبي ﷺ لم يكن معلماً يهدف إلى أن يحفظ الناس مجموعة من المعلومات، بل كان مشروعه أوسع بكثير؛ فقد كان يبني الإنسان الذي يستطيع أن يبني المجتمع. ومن هنا تنطلق فكرتنا: إن التعليم النبوي لم يكن مجرد عملية نقل للمعرفة، وإنما كان مشروعاً لإعادة بناء الإنسان، وإعادة تشكيل المجتمع، وتهيئة الظروف لقيام حضارة.
“اقرأ”… بداية مشروع حضاري
من اللافت أن أول كلمة من الوحي:” اقْرَأْ”، ثم “الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ” [العلق: 3 – 5]. وهنا نجد تقديراً واضحاً للقراءة، والقلم، والتعليم، والمعرفة، وهذا يضع المعرفة في قلب المشروع الإسلامي. فالمجتمع الذي يقرأ ويكتب ويوثق وينقل المعرفة يملك أدوات مختلفة تماماً عن مجتمع يعتمد على الذاكرة الشفوية وحدها. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا أصبح التعليم لاحقاً عنصراً مركزياً في الحضارة الإسلامية.
يمكن النظر إلى المعلم كحجر الزاوية في البناء الاجتماعي الإنساني من خلال دوره التنويري في بناء الوعي الذي يُسهم في تشكيل الهوية الفردية والجماعية. فوفقاً لعالم الاجتماع “إميل دوركهايم”، مؤسس “علم الاجتماع التربوي”، فإن المدرسة والمعلم من أهم المؤسسات التي تُعزز التضامن الاجتماعي، وتنقل القيم والمعايير الثقافية من جيل إلى آخر. يرى دوركهايم أن التعليم يؤدي وظيفة اجتماعية أساسية تتمثل في إعداد الأفراد للحياة في المجتمع، وتزويدهم بالمهارات والمعارف اللازمة ليكونوا أعضاء فاعلين ومنتجين؛ إذ يقوم المعلم بتعليم المهارات الأساسية التي تمكن الأفراد من الانخراط في سوق العمل، مما يدعم تقسيم العمل في المجتمع. كما يقوم بالحفاظ على الاستقرار المجتمعي من خلال غرس القيم والأخلاق الفاضلة، وبقاء المجتمع كوحدة متماسكة تعمل لتحقيق أهداف مشتركة. ويرى دوركهايم أيضاً أن المعلم قادر على تكوين “كائن اجتماعي” جديد يمكن تحويله إلى فرد قادر على المساهمة بفعالية في المجتمع.
المعلم وصناعة الوعي
عبر التاريخ، كانت الأنظمة الاستبدادية والاستعمارية تخاف من المعلم؛ لأن المعلم لا يملك سلاحاً بالضرورة، لكنه يملك شيئاً أخطر: العقل الذي يستطيع أن يسأل: لماذا؟ والمجتمع الذي يبدأ بالسؤال:
- لماذا نحن مستعمرون؟
- لماذا نحن فقراء؟
- لماذا لا نملك حقنا؟
- لماذا يحكمنا المستبد؟
- لماذا يجب أن نقبل هذا الواقع؟
قد يكون قد بدأ بالفعل عملية التغيير. وهناك علاقة تاريخية قوية بين التعليم وتكوين الوعي السياسي والاجتماعي. وفي الشرق الأوسط الحديث، تشير دراسة أكاديمية عن المعلمين وبناء الدولة إلى أن التعليم العام أصبح مجالاً مهماً للنشاط المناهض للحكومات والاستعمار، وأن المعلمين والمثقفين شاركوا في تشكيل التصورات الوطنية والقومية. إذن، وظيفة المعلم يمكن أن تتجاوز تعليم القراءة والكتابة إلى تعليم الإنسان كيف يقرأ واقعه.
إن أخطر ما يستطيع المعلم أن يعلمه للإنسان ليس فقط كيف يقرأ الكتاب، وإنما كيف يقرأ الواقع. في الثورة الفرنسية، لم يكن المعلمون وحدهم قادة الثورة، ولم تكن الثورة “ثورة مدرسين”، لكن التعليم والمثقفين والجامعات والمدارس والأفكار التي انتشرت عبر القراءة والكتابة والطباعة كانت جزءاً من البيئة الفكرية التي سبقت الثورة وأسهمت في نشر مفاهيم مثل الحرية والمواطنة والعقل والنقد السياسي. والأهم أن الثورة نفسها أدركت أن التعليم جزء من صناعة الإنسان الجديد، ولذلك أصبحت إعادة تنظيم التعليم إحدى قضاياها الكبرى. وتوضح الدراسات التاريخية أن التعليم الفرنسي دخل مرحلة إعادة تنظيم وتأميم خلال الثورة، مع تراجع دور رجال الدين في التعليم وإعادة تصور التعليم باعتباره شأناً وطنياً. وهنا نستطيع أن نقول: الثورة السياسية تحتاج إلى ثورة في العقل، والثورة في العقل تحتاج إلى التعليم.
وفي الهند الاستعمارية، أصبحت المؤسسات التعليمية والجامعات مراكز لتكوين الفكر الوطني، وشارك عدد من المعلمين والمثقفين في الحركة المناهضة للاستعمار. ومن الأمثلة اللافتة “سوريا سين” (Surya Sen)، المعروف بـ “Master Da”، وكان معلمًا وقاد نشاطًا ثوريًا في تشيتاغونغ، وأُعدم عام 1934. كما كان بال غانغادهار تيلاك معلماً في بداياته واستخدم التعليم والعمل الصحفي والسياسي لنشر الأفكار الوطنية.
وفي العالم العربي، لعب المعلم والمثقف والأستاذ والصحفي دوراً مهماً في تكوين الوعي الوطني ومقاومة الاستعمار. وفي فلسطين مثلًا، هناك توثيق أكاديمي لدور المعلمين والطلاب في مقاومة الانتداب البريطاني، ومن أبرز المعلمين والمربين الذين ارتبطوا بهذا المجال خليل السكاكيني وآخرون؛ فقد استُخدمت المدرسة والتعليم لتكوين وعي وطني لدى الطلاب والأجيال الجديدة.
وتشير دراسة حديثة إلى أن السلطات الاستعمارية الفرنسية قيّدت مدارس جمعية العلماء، واعتقلت معلمين ودعاة مرتبطين بالحركة؛ لأن النشاط التعليمي كان جزءاً من مقاومة سياسة الفرنسة والحفاظ على الهوية الجزائرية. كما ساهمت الشبكة التعليمية التي أنشأها ابن باديس في إعداد جيل من المثقفين المرتبطين بالحركة الوطنية والتحرر.
الاستعمار لا يخاف من المعلم عندما يعلّم الطالب كيف ينجح في الامتحان، بل يخاف منه عندما يعلّم الطالب من هو، ومن أين جاء، ولماذا يجب أن يكون حراً.
تطوير المعلم: استثمار في صناعة المستقبل
لقد أولت الدول التي حققت نهضة بارزة في العصر الحديث اهتماماً كبيرًا بتطوير أداء المعلم. فعلى سبيل المثال، لم تعتمد دول مثل تركيا وماليزيا والصين والولايات المتحدة وكندا في تقدمها على تطوير المناهج والمؤسسات التعليمية فحسب، بل أعادت بناء مهنة التعليم ذاتها؛ إذ رفعت معايير اختيار المعلم وإعداده، وأرست برامج للتنمية المهنية المستمرة، والتدريب القائم على المدرسة، والملاحظة الصفية، والتعلم التعاوني، والبحث التربوي، وربطت التطور المهني بالمسار الوظيفي.
ففي تركيا، تم اعتماد نموذج للتطوير المهني يبدأ بتشخيص المعلم لاحتياجاته التدريبية، بينما جعلت ماليزيا من التطوير المستمر وثقافة الزملاء محوراً رئيسياً لإصلاح المهنة. أما الصين، فقد طورت برامج لإعداد معلمين متميزين يتولون أدواراً قيادية ويسهمون في نقل خبراتهم إلى الآخرين.
وبذلك، تحول دور المعلم من مجرد ناقل للمعرفة إلى صانع للتعلم، ومن منفذ للمنهج إلى شريك فاعل في تطوير العملية التعليمية؛ ليصبح تطوير المعلم استثماراً مباشراً في الإنسان الذي يقود تقدم الدولة.
تصنيفات : قضايا و مقالات