التعليم في مواجهة الموت والاحتلال، أ. أكرم محمود أبو شاويش
أغسطس 29, 2026
للمشاركة :

بيئة تعليمية تحت التهديد

إن الحق في التعليم هو أحد أهم حقوق الإنسان الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

لكن في الواقع الفلسطيني، يتعرض هذا الحق المبدئي لانتهاكات مباشرة وغير مباشرة بسبب سياسات الاستيطان والقيود الأمنية، لاسيما في المناطق الريفية ومناطق (ج) بالضفة الغربية.

نموذج حي: المدارس الإسلامية في البيرة

تقع المدارس الإسلامية في مدينة البيرة ضمن تجمع يضم عدة مدارس خاصة وحكومية مجاورة لمستوطنة مقامة على قمة جبل الطويل، وتطل بشكل مباشر على أجزاء واسعة من المدينة. وهذا النموذج المتكرر في مختلف مدن الضفة الغربية يجسد بوضوح التهديد المباشر لسلامة الطلبة وحقهم في تلقي تعليمهم في بيئة آمنة، مما يدفع بعضهم أحياناً إلى الانقطاع عن الدراسة عندما تصبح رحلة الذهاب للمدرسة محفوفة بالخوف والاعتداءات.

وتؤكد لغة الأرقام حجم المأساة؛ فقد وثقت منظمة اليونيسف نحو 99 حادثة مرتبطة بالتعليم، تضمنت حالات قتل، إصابة، احتجاز أطفال، هدم مدارس، استخدام مبانٍ مدرسية، وحرمان آلاف الطلبة من الوصول إلى مقاعد الدراسة.

الآثار النفسية والتربوية:

عندما يصبح الخوف رفيقاً للدرب لا يقتصر أثر الاحتلال والاستيطان على الجانب المادي فحسب، بل يمتد ليترك ندوباً عميقة في نفسية الطفل ومسيرته التربوية.

الطالب الذي يسير نحو مدرسته محاطاً بهاجس الاعتداء، أو مضطراً للمرور عبر حاجز عسكري ومستوطنة جاثمة على الأرض، محروم حتماً من بيئة الأمان التي يحتاجها العقل ليتعلم ويزدهر.

وقد أشارت تقارير الأمم المتحدة مراراً إلى ارتباط العنف والترهيب المباشر بمشكلات نفسية خطيرة لدى الأطفال، مثل:

  • القلق المستمر واضطرابات النوم.
  • الخوف العارم والتراجع الملحوظ في الأداء الدراسي.

امتداد الضرر: ضرب جودة العملية التعليمية

لا يتوقف الأثر المدمر للاستيطان عند حدود الوصول إلى المدرسة، بل يضرب عصب العملية التعليمية وجودتها من خلال عدة محاور:

  • التعطيل المتكرر والمتعمد للدوام المدرسي.
  • غياب الطلبة والمعلمين الناتج عن القيود الأمنية والحواجز.
  • عرقلة وتعطيل بناء المدارس وتوسعتها في المناطق الحيوية.
  • اضطرار الأطفال مكرهين لقطع مسافات أطول وبديلة للوصول إلى مدارس أخرى.

إرادة الحياة والصمود الأبدي

رغم كل هذه التحديات الجسام، يبرز المعدن الأصيل للشعب الفلسطيني في قدرته الأسطورية على التحدي والصمود واستمرار مسيرة الحياة.

إن بقاء المدارس الإسلامية في مدينة البيرة، واصلةً الليل بالنهار في استقبال الطلبة، والتفاف أولياء الأمور والمجتمع المحلي حولها، يمثل أيقونة حية من صور الصمود الفلسطيني.

فالتعليم في فلسطين ليس مجرد تحصيل لمعرفة عابرة، بل هو تمسك بالحياة، والأمل، والمستقبل. وكل مدرسة تفتح أبوابها رغم العتمة، وكل معلم يقف بثبات أمام طلبته، وكل طالب يشق طريقه نحو مدرسته، يرسخون رسالة واحدة لا غبار عليها:

“إن إرادة التعلم والبقاء أقوى بكثير من محاولات الموت والتهميش”.

تصنيفات :