من مؤتة إلى فتح القدس الطريق الذي بدأ بالتضحية، أ. ثائر راغب الشروف
سبتمبر 30, 2026
للمشاركة :

بِسْمِ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَبَعْدُ:

«أَنْفِذُوا بَعْثَ أُسَامَةَ… أَنْفِذُوا بَعْثَ أُسَامَةَ». فتحُ بيتِ المقدسِ وصيةُ الحبيبِ التي حفظها الصدّيقُ، وأنفذها الفاروقُ، رضي الله عنهما وأرضاهما، وسائرِ أصحابِ رسولِنا الأمينِ الغُرِّ الميامين، الذين صدقوا الله فصدقهم، وأعلى شأنهم في العالمين.

فتحُ بيتِ المقدسِ لم يكن بين عشيةٍ وضحاها، ولم يكن ذا طابعٍ فعليٍّ ماديٍّ فحسب، بل سُبِق بجانبٍ روحيٍّ معنويٍّ علّق أفئدةَ الصحابة، ومن سار على دربهم جيلًا بعد جيل، ببيتِ المقدس، بعدما أدركوا مكانته في الإسلام عقيدةً وشريعةً. ولا أدلَّ على ذلك من ذكر المسجد الأقصى في كتاب الله، وأظهرُ ذلك وأشهرُه قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1].

أمّا في السنّة، فقد وردت طائفةٌ من الأحاديث في تقرير مكانة المسجد الأقصى. وإذا كان مسجدًا بقضاء السماء وخبر سيّد الأنبياء، فلا يملك كائنًا من كان تحويره أو تغيير صفته. فعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ مسجدٍ وُضع في الأرض أوّل؟ قال: «المسجد الحرام». قلتُ: ثم أيّ؟ قال: «المسجد الأقصى». قلتُ: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة».

وعلّق النبيُّ عليه الصلاة والسلام قلوبَ الصحابة ببيت المقدس من خلال بيان فضل الصلاة في الأقصى. فعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنّ النبيَّ ﷺ قال: «صلاةٌ في مسجدي هذا أفضلُ من أربع صلواتٍ فيه، ولنِعمَ المُصلّى هو، وليوشكنّ أن يكون للرجل مثلُ شَطَنِ فرسه من الأرض، حيث يرى منه بيتَ المقدس، خيرًا له من الدنيا جميعًا»، أو قال: «خيرًا له من الدنيا وما فيها».

وحثّ الصحابةَ على شدّ الرحال إليه، بل والسكن حوله. فعن ذي الأصابع قال: قلنا: يا رسول الله، إنِ ابتُلينا بالبقاء بعدك، فأين تأمرنا؟ قال: «عليك ببيت المقدس، فلعلّه أن ينشأ لك ذريةٌ يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون». فبيتُ المقدس قبلةُ المسلمين الأولى، وأرضُ المحشر، ومسرى النبيِّ عليه السلام. وكلُّ هذا وأكثرُ منه من باب بيان مكانة بيت المقدس، وكان الصحابةُ خيرَ من فقه هذا المعنى وأدّاه وحقّقه.

ثم انتقل عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، وارتدّ كثيرٌ من العرب عن الإسلام، فأعدّ الصدّيقُ أحدَ عشرَ جيشًا لحربهم، فضلًا عن بعث أسامة الذي عقد لواءَه رسولُنا الكريم. وأشار بعض الصحابة على الصدّيق أن يؤجّل بعثَ أسامة المتّجه نحو البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فقال: «والذي لا إله غيره، لو جرّت الكلابُ بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما رددتُ جيشًا وجّهه رسولُ الله ﷺ، ولا حللتُ لواءً عقده رسولُ الله ﷺ». فوجّه أسامة، فكان خروجُ الجيش سببًا في تثبيت بعض القبائل على الإسلام.

وسبق هذا البعثَ المباركَ غزوةُ تبوك، وكانت من أبرز الأحداث العملية في الطريق إلى بلاد الشام. وقبلها وقعت غزوةُ مؤتة في السنة الثامنة للهجرة، بعد مقتل رسول النبيِّ ﷺ الحارثِ بنِ عميرٍ الأزدي، الذي بعثه إلى ملك بُصرى يدعوه إلى الإسلام. فقد اعترضه شرحبيلُ بنُ عمرو الغسّاني، وكان عاملًا على البلقاء من قِبَل قيصر، فأوثقه ثم قتله. فاشتدّ ذلك على رسول الله ﷺ والمسلمين، وجهّز جيشًا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل. وأظهرت تلك الغزوةُ عبقريةَ خالد بن الوليد، سيفِ الله المسلول.

ثم جاءت معركةُ أجنادين في السنة الثالثة عشرة للهجرة، بقيادة عمرو بن العاص، الذي لُقّب بأرطبون العرب. ويُروى في وصف جيش المسلمين أنّ قائد الروم بعث رجلًا ليستطلع أخبارهم، فأقام بينهم يومًا وليلةً، ثم عاد يقول: «بالليل رهبان، وبالنهار فرسان؛ ولو سرق ابنُ ملكهم قطعوا يده، ولو زنى رُجم؛ لإقامة الحق فيهم».

وتوالت الوقائع بين المسلمين والروم في بلاد الشام، حتى كانت معركةُ اليرموك من أعظم المعارك وأشدّها أثرًا في فتح الشام، وفي تمهيد الطريق إلى بيت المقدس. وفي ذلك المشهد يتجلّى قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:249] وقد تكبّد الروم في المعركة خسائر كبيرة، وكانت من أعظم المعارك تأثيرًا في الفتوحات الإسلامية.

وفي المدينة، كانت قلوبٌ تلهج بالدعاء، وأكفٌّ تتوسّل رحمة السماء. ثم جاءت البشرى بالنصر، وتلاها تسليمُ مدينة القدس للفاروق عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، فدخلها دخولَ النسّاك العابدين، مذعنًا بفضل ربّ العالمين، ومسطرًا عهدًا عُمريًّا في العدل، وموثّقًا عُرى وصلٍ بين القبلتين لا تنفصل إلى يوم الدين.

ولا تفي كلماتٌ ولا مجلداتٌ بحقّ أبطال الأمة من الصحابة والتابعين. ويقف العقل مشدوهًا حائرًا أمام ذلك النصر، رغم الفارق الكبير في القوى والموازين. وهذا يوجب علينا أن نستلهم الدروس والعِبر من ذلك الجيل الأمين، وأهمّها:

1. أدهشت غزوةُ مؤتة العربَ؛ فقد واجه جيشٌ صغيرٌ قوّةً عظيمة، وتمكّن من العودة بعد قتالٍ شديد. وكان لهذه الغزوة أثرٌ في إظهار قوّة المسلمين، فغدت من الخطوات الأولى في طريق الفتوحات في بلاد الشام.

2. هذه الأمةُ أمّةٌ ولود؛ فإذا مضى قائدٌ من قادتها أو أميرٌ من أمرائها، ظهر بعده من يرفع الراية. فقد تُوفّي رسول الله ﷺ، فجاء أبو بكر، ثم تُوفّي أبو بكر، فجاء عمر، وهكذا.

3.  على المسلم أن يرتبط بالله وبمنهج الله، ولا يجوز له أن يعلّق إيمانه بالأشخاص، مهما علا قدرهم وارتفع فضلهم. وقد جهّز رسول الله ﷺ جيش مؤتة، ووزّع المهام، واختار القادة، ورتّب الأمور، لكنه لم يخرج معهم بنفسه. وفي هذا درسٌ للمسلمين بأن يوثّقوا صلتهم بالله ربّ العالمين. وكذلك عزل عمرُ خالدًا، رضي الله عنهما، خشيةَ أن يفتتن الناس به، وقد جمع الله لخالدٍ الشجاعةَ والقوةَ وحُسنَ الرأي والتخطيط والتدبير في الحرب.

4. إنّ النظرةَ الماديةَ المجرّدةَ عند قياس القوة والضعف بعيدةٌ عن الفهم العميق للأمور؛ فالوقائع تشهد، والأحداث عبر العصور تبرهن على قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 249]. فالأمر لله من قبلُ ومن بعدُ.

5. إنّ الإيمان في قلوب أهله قوّةٌ عظيمة. فكم من مسلمٍ أعزلَ إلّا من إيمانه يرفع إصبعَ السبابة ويناجي ربّه! وكم من دعوةٍ في جنح الظلام تُفتح لها أبواب السماء!

6.  إنّ على الأمة أن تربّي أبناءها على حبّ دينهم والاعتزاز به، وأن تغرس فيهم الثقةَ والأمل. قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]. وعليها أن تعاود النظر في القدوات التي تعرضها على الأجيال؛ فلا بدّ من نشر سير أولئك الأفذاذ من صحابة رسول الله ﷺ وأتباعهم، ليتّخذ الأبناء من سير الأجداد منهجًا للحياة.

7. أظهرت العهدةُ العُمريّة صورةً من التسامح والإنسانية. ويظهر الفرق بين دخول المسلمين القدس ودخول الصليبيين إليها في ما وقع عند كلٍّ منهما. وصدق القائل:

مَلَكْنَا فَكَانَ العَدْلُ مِنَّا سَجِيَّةً              فَلَمَّا مَلَكْتُمْ سَالَ بِالدَّمِ أَبْطَحُ

وَحَلَّلْتُمُ قَتْلَ الأُسَارَى وَطَالَمَا               غَدَوْنَا عَلَى الأَسْرَى نَمُنُّ وَنَصْفَحُ

فَحَسْبُكُمُ هَذَا التَّفَاوُتُ بَيْنَنَا                وَكُلُّ إِنَاءٍ بِالَّذِي فِيهِ يَنْضَحُ

هذا، والله غالبٌ على أمره، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

تصنيفات :