من حطّين إلى القدس .. هكذا يُصنع التحرير، أ. أحمد عاطف زيادة
سبتمبر 30, 2026
للمشاركة :

لم تبدأ حطّين في حطّين، ولم يبدأ فتح القدس عند أسوار القدس.

قبل أن يرفع صلاح الدين راية النصر، كانت هناك سنوات طويلة تُبنى فيها النفوس، وتُجمع فيها الكلمة، وتُستعاد فيها الثقة، ويُهيَّأ فيها جيلٌ لم يرَ القدس محرَّرة، لكنه عاش ليصنع يوم تحريرها. وحين دخل صلاح الدين القدس سنة 583هـ، لم يكن ذلك انتصار رجلٍ ظهر فجأة في لحظة مواتية من التاريخ؛ بل كان المشهد الأخير في قصة طويلة، بدأ بعض أبطالها الطريق، وماتوا قبل أن يروا نهايته. فالقدس لم تُفتح يوم دخلها صلاح الدين فحسب؛ بل بدأ فتحها يوم بدأت الأمة تصنع أسباب الفتح.

حين سقطت القدس في أيدي الصليبيين سنة 492هـ، لم يكن الجرح جرح مدينةٍ ضاعت وحسب؛ فقد كانت الأمة نفسها ممزقة القوى، متنازعة الإرادات، حتى غدت الفرقة بابًا واسعًا عبر منه العدو. ومن هنا بدأت قصة التحرير الحقيقية.

جاء عماد الدين زنكي، فأدرك أن الطريق إلى القدس لا يبدأ من القدس؛ بل من إعادة القوة إلى جسد الأمة، وجمع ما تفرّق من أمرها. ثم حمل الراية من بعده نور الدين محمود، فلم يكن مشروعه جيشًا يُعدّ لمعركة فحسب، بل أمةً تُعدّ لنصر: علمٌ يُنشر، وعدلٌ يُقام، وفسادٌ يُقاوم، وصفوفٌ تُجمع، ورجالٌ يُربَّون.

حتى إنه أمر بصناعة منبر للمسجد الأقصى قبل تحرير القدس بسنوات؛ منبرٌ لم يكن يملك يومها طريقًا إلى مكانه، لكن صاحبه كان يملك يقينًا بأن الطريق سيُفتح. وهكذا يفكر أصحاب المشاريع الكبرى: قد لا يرون الثمرة، لكنهم يزرعون لها. ومات نور الدين قبل أن يرى ذلك المنبر في الأقصى.

ثم جاء صلاح الدين الأيوبي، ولم يبدأ من فراغ؛ ورث مشروعًا، وحمل أمانةً، وأكمل طريقًا مهّد له رجال قبله. وحين جمع مصر والشام، وأعاد ترتيب القوة، صار للهدف الكبير رجالٌ يحملونه، وأرضٌ تقف خلفه، وأمةٌ بدأت تسترد عافيتها.

ثم جاءت حطّين سنة 583هـ/1187م. وهناك لم ينتصر السيف وحده؛ انتصرت سنوات الإعداد التي سبقته، وانتصر الاجتماع بعد الفرقة، وانتصرت الإرادة بعد الوهن، وانتصر الصبر الطويل على استعجال النتائج.  كانت حطّين يومًا واحدًا في كتب التاريخ، لكنّها كانت سنواتٍ طويلة في صناعة التاريخ.

وبعدها انفتح الطريق إلى القدس، ودخلها صلاح الدين فاتحًا بعد نحو ثمانية وثمانين عامًا من سقوطها. ثمانية وثمانون عامًا! أجيالٌ وُلدت والقدس محتلة، وعاشت والقدس محتلة، ومات بعضها والقدس ما تزال محتلة. ومع ذلك، لم يكن تأخر النصر دليلًا على استحالته.

وهنا أحد أعظم دروس التحرير: قد يكون الطريق أطول من أعمار السائرين فيه، لكن ذلك لا يعفي أحدًا من أن يقطع نصيبه منه. قد يزرع رجلٌ ولا يحصد، ويعلّم آخرُ ولا يرى ثمرة تعليمه، ويصلح ثالثٌ ما أفسده غيره، ثم يأتي جيلٌ لم يبدأ القصة، لكنه يُكرمه الله بكتابة سطرها الأخير.

ولذلك فإن اختزال تحرير القدس في صلاح الدين وحده يظلم صلاح الدين نفسه؛ فقد كان عظيمًا، نعم، لكنه كان ثمرةً لمشروع، وحلقةً في سلسلة، وقائدًا لأمة بدأت تستعيد شروط النصر قبل أن تستعيد أرضها. وهذا هو الدرس الذي ينبغي ألّا يضيع وسط إعجابنا بالأبطال. لا تسأل فقط: أين صلاح الدين؟ فربما كان السؤال الأصدق: أين البيئة التي تصنع صلاح الدين؟ أين المعلّم الذي يبني؟ والعالِم الذي يبصّر؟ والأب الذي يربّي؟ والشاب الذي يُعدّ نفسه ليكون جزءًا من الحل، لا رقمًا آخر في المشكلة؟

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. فالتحرير ليس شعارًا نهتف به، ولا أمنيةً نعلّقها على جيلٍ لم يولد بعد؛ بل مسؤولية تبدأ من الإنسان: من عقيدته، وعلمه، وأخلاقه، ووعيه، وإتقانه، ووحدة صفّه، وأخذه بأسباب القوة التي يستطيعها.

ليس مطلوبًا من كل إنسان أن يكون صلاح الدين، ولكن مطلوبٌ من كل إنسان ألّا يكون ثغرةً يدخل منها ما كان صلاح الدين وأمثاله يقاومونه. أن يصلح موقعه، وأن يؤدي أمانته، وأن يبني حيث يستطيع البناء، وأن يترك لمن بعده أرضًا أصلب مما وجدها.

ثم بعد الأخذ بالأسباب كلها، تبقى القلوب معلّقةً بمن بيده النصر وحده: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فلا تيأسوا لطول الطريق، ولا تحتقروا خطوةً صادقةً فيه؛ فقد يموت الزارع قبل موسم الحصاد، لكن سنابل النصر تحفظ أسماء الذين سقوها وإن لم يشهدوا حصادها.

وحطّين لم تكن يومًا بدأ فيه النصر؛ بل كانت يومًا ظهر فيه ما صُنِع قبل النصر.

فاصنعوا اليومَ ما يستحقُّ أن يُسمّى غدًا: تحريرًا.

تصنيفات :