
ليس الفقر مجرد فقدانٍ للمال، ولا النزوح محض مغادرةٍ للمكان؛ فكلاهما يمسّ الإنسان في أمنه وكرامته واستقراره. وحين يُجبر الإنسان على ترك بيته وأرضه، فإنه لا يفقد جدرانًا يأوي إليها فحسب، بل قد يفقد أسباب رزقه وعلاقاته بالناس، وتختلّ ضروب عيشه ومكانته الاجتماعية. ومن هنا يغدو الفقر والنزوح، في كثير من الأحوال، وجهين لعملة واحدة: النزوح يولّد الفقر، والفقر يضاعف آثار النزوح ويطيل أمده.
ولقد كان النزوح حالًا نزلت بكثيرٍ من الأنبياء، عليهم السلام، وصاحبهم فيه من الأحوال ما يصاحب كل نازح. وعبّر موسى، عليه السلام، عن حاجته مبتهلًا إلى الله، في قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24]؛ أي: ربِّ، إنّي محتاجٌ إليك، فقيرٌ إلى ما تُنزل عليّ من خير.
وفي التراث الإسلامي من أخبار النازحين، وما قاسوه من لأواء أثناء ظعنهم وبُعيد إقامتهم، ومن فقرٍ مدقعٍ متراكم، ما لو جُمع في صعيدٍ واحد لامتلأت به خزائن المكتبات؛ وهي أخبارٌ تُحيّر الألباب وتثير الأشجان.
وقد أولى الإسلام عنايةً بالغةً بالنازح الذي فقد أسباب الاستقرار، وجعل التكافل الاجتماعي جزءًا من منظومة الإيمان؛ فعدّ الله الفقراء والمساكين وابن السبيل من مصارف الزكاة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ… وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60]. وابن السبيل هو المنقطع عن ماله وأسباب عيشه في سفره، وفي إدخاله ضمن مصارف الزكاة دلالةٌ ظاهرةٌ على أن الشريعة راعت الإنسان حين تنقطع به أسباب العيش، ولو كان في الأصل غير فقير.
وقد تجلّت هذه العناية بصورةٍ أعمق في تجربة المهاجرين من مكة إلى المدينة؛ فقد تركوا ديارهم وأموالهم وتجاراتهم، وخرجوا إلى مجتمعٍ جديدٍ لا يملكون فيه شيئًا. ولذلك وصفهم الله عزّ وجلّ بقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر: 8]. فجمعت الآية بين الفقر والإخراج من الديار والأموال؛ وكأنها ترسم صورةً متكاملةً لما يترتّب على اقتلاع الإنسان من موطنه: فقدان المكان، ثم فقدان المال، ثم الحاجة إلى مجتمعٍ جديدٍ يحتضنه.
لكن المدينة لم تتعامل مع المهاجرين بوصفهم عبئًا اقتصاديًا، وإنما حوّلت محنتهم إلى مناسبةٍ لبناء أسمى صور التكافل. فأثنى الله على الأنصار بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. وتجلّى ذلك في صورٍ عمليةٍ من المؤاخاة والمشاركة في المال والمسكن والعمل، حتى استطاع المهاجرون أن يستعيدوا قدرتهم على بناء حياتهم في المجتمع الجديد.
ومن هنا يتبدّى معنى من معاني الشريعة ومقاصدها؛ فالإغاثة ليست غاية التكافل الوحيدة، بل بدايته. فإطعام الجائع، وإيواء المشرّد، وإنقاذ المنكوب واجبٌ عاجل، لكن المقصد الأبعد هو أن يستعيد الإنسان قدرته على الحياة الكريمة. ولذلك فإن رعاية النازحين ينبغي ألّا تقف عند تقديم الطعام والدواء والكساء، بل تمتدّ إلى توفير التعليم وفرص العمل والرعاية الأسرية، وحماية الحقوق، ومساعدة الإنسان على الانتقال من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج والاستقلال.
وهذا يتّفق مع مقصد الشريعة في حفظ الضروريات، وفي مقدّمتها حفظ النفس والمال والنسل، ومع أصلٍ عظيمٍ قرّره النبي ﷺ بقوله: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد» [رواه مسلم]. فالمجتمع الذي يرى معاناة النازح ولا يتحرّك تجاهها إنما يعاني خللًا في معنى الأخوّة الذي أراده الإسلام.
وهكذا فإن الفقر والنزوح ليسا قضيتين منفصلتين، بل مساران متداخلان من المعاناة الإنسانية. ومواجهة هذه المعاناة في المنظور الإسلامي تقوم على ثلاث حلقاتٍ متكاملة: إغاثةٌ تحفظ الحياة، وتكافلٌ يحفظ الكرامة، وتمكينٌ يعيد للإنسان قدرته على بناء مستقبله.
إنّ استذكار هذه المعاني لا مناص منه، إذ تجدّدت مأساة النزوح والتهجير التي لم تكد تفارق شعبنا منذ نكبة عام 1948، وصولًا إلى الحرب الأخيرة التي بدأت في السابع من أكتوبر ولم تضع أوزارها. ومع ضرورة معالجة قضية النزوح جذريًا بعودة النازحين إلى ديارهم، فإن ذلك لا يعني بحالٍ من الأحوال أن يُتركوا دون إغاثةٍ على الوجه الأمثل، بالصورة التي قرّرتها الشريعة الغرّاء ومضت بها السنّة. والحمد لله ربّ العالمين
تصنيفات : قضايا و مقالات