المعلم الذي يحمل المدرسة والوطن معا، أ . عبير النطاح
سبتمبر 30, 2026
للمشاركة :

صوتُ المعلّم ليس مجرد نداء عابر، وألمه ليس تذمّرًا طارئًا؛ بل هو وجدان أمة يتألّم، وصحوة ضمير تأبى أن يستسلم البناء للهدم. وبين التردّي الاقتصادي والضغوط الاجتماعية والسياسية، يقف المعلّم اليوم في خطّ المواجهة الأول، يحمل في صدره نور العلم وحكمة السنين، وينظر إلى واقع كأنّه صخرة عاتية تحاول أن تُحطّم أدواته وتكسر عزيمته.

كيف لمعلّم أثقلت كاهلَه متطلباتُ العيش الأساسية، وبات يركض خلف لقمة العيش، أن يقف مرفوع الهامة ليشرح أبجديات الكرامة؟ وكيف يُقنع جيلًا من الطلاب بأنّ العلم طريق العزّة، وهم يرون قدوتهم يعاني العوز، ويتعرّض للامتهان، ولا يجد ثمن حافلة تُقلّه إلى مدرسته؟ ولعلّ أشدّ اللحظات إيلامًا لنفس المعلّم تلك التي ينظر فيها إلى أبنائه، فيرى في أعينهم أسئلة مخنوقة تُدمي القلوب، كما حدث مع ذلك الابن الذي اضطرّ، تحت وطأة الحرمان، إلى أن يمدّ يده إلى ما ليس له، متمنيًا أن تبتلعه الأرض خجلًا أمام والده الشريف.

ومع ذلك، يدخل المعلّم صفّه كل صباح، فيترك همومه عند الباب ما استطاع، ويستقبل طلابه بابتسامة قد لا يعرفون كم كلّفته. يشرح الدرس، ويعيد الشرح لمن تأخّر في الفهم، ويلاحظ غياب طالب اعتاد الحضور، ويصغي إلى آخر أرهقته ظروف بيته. في تلك التفاصيل الصغيرة يؤدي عملًا أكبر من حدود الحصة؛ فهو يحفظ للمدرسة روحها، ويمنح أبناء الوطن سببًا إضافيًا للثقة بالغد.

إنّ المعلّم، حين يعلّم طفلًا أن يسأل ويفكّر، يبني في الوطن عقلًا لا يقبل الجهل. وحين يغرس فيه احترام الآخر وحبّ الأرض، يبني ضميرًا يعرف حقّه وواجبه. وقد تتداعى الجدران أو تضيق الإمكانات، لكنّ المدرسة تظلّ قادرة على أداء رسالتها ما دام فيها معلّم يؤمن بطلابه. لهذا تبدو مسؤولياته مضاعفة في أوقات الأزمات: أن يحمي حقّهم في التعلّم، وأن يعينهم على فهم واقعهم دون أن يسلبهم الأمل.

إنّ التنظير والكتابة على الورق من أسهل الأمور، لكنّ تحويل الكلمات إلى أفعال في ظلّ هذا الواقع هو التحدّي الحقيقي. إنّ بقاء الحال على ما هو عليه ليس مجرد أزمة لمعلّم بمفرده، بل انكسار لمستقبل وطن بكامله؛ فالأمة التي تُهين علماءها ومربّيها تُسقط بيدها قلعتها الأخيرة. وحين ينشغل المعلّم بتأمين أبسط حاجات أسرته، يخسر الصفّ شيئًا من طاقته، ويخسر المجتمع فرصة كان يمكن أن تُثمر في حياة عشرات الطلبة.

ولا يجوز أن نطالبه بالصبر كلّما ضاقت به الحال، ثم نتركه وحيدًا أمام أعباء لا يقوى عليها فرد. فالوفاء له لا يكون بالثناء في المناسبات وحدها، بل بموقف يلمس أثره في يومه: في احترام صوته، وصون حقوقه، وتقدير جهده، وتوفير ما يعينه على أداء رسالته. كرامة المعلّم حاجة للطالب أيضًا؛ لأنّ الطفل يتعلّم معنى العدالة من الطريقة التي يعامل بها المجتمع من يعلّمه.

ولأنّ المعلّم صاحب عقل مدبّر لا يعرف اليأس، ولأنّ الندب والعويل لا يبنيان مجدًا، فإنّ الحلّ يكمن في العودة إلى جذور قوّتنا المجتمعية. لقد رسم لنا الرسول الكريم ﷺ خريطة للنجاة يوم آخى بين المهاجرين والأنصار، وقدّم نموذجًا للتكافل يُسدّ به العجز وتُصان به الكرامة.

إنّ حماية مسيرة التعليم وحفظ كرامة المعلّم مسؤوليتان لا تحتملان التقاعس، وتتطلّبان مبادرة مجتمعية جادّة تقوم على ما يأتي:

التكافل الأهلي والمجتمعي: أن يتداعى القادرون في كل مدينة وقرية لتأسيس صندوق مجتمعي يدعم التعليم العام، ويساعد على تخفيف الأعباء الاقتصادية عن المعلّمين، وأن تُوجَّه جهود المؤسسات والأفراد إلى احتياجات المدارس الفعلية، بالتنسيق مع الجهات المسؤولة، حتى يصل الدعم إلى موضعه.

استعادة مكانة المعلّم: أن يُحاط المعلّم بتقدير مجتمعي وأخلاقي يعيد له مكانته، وأن تُصان حقوقه ويُضمن له عيش كريم يغنيه عن العوز والاستدانة. ويبدأ ذلك أيضًا من البيت، حين يتحدّث الأهل عن المعلّم باحترام أمام أبنائهم، ويتعاونون معه في تربية الطلبة وتعليمهم.

الاستثمار في بناء الإنسان: إدراك أنّ صلاح الجيل واستقرار الوطن يبدآن من كرامة المربّي. فالإنفاق على المدرسة ليس عبئًا مؤجّل العائد؛ أثره يظهر في طالب يكتشف قدرته، وفي شاب يجد طريقه، وفي مجتمع يملك من العلم ما يساعده على مواجهة أزماته.

إنّ المعلّم يحمل المدرسة حين يفتح باب المعرفة لطلابه، ويحمل الوطن حين يحرس في نفوسهم قيمه وأمله. وحفظ كرامته مسؤولية يشترك فيها الجميع، من صانع القرار إلى وليّ الأمر وكلّ قادر على العون. إنّ تغيير الواقع المتردّي يحتاج إلى إيمان عميق، وصبر وثبات، وتكاتف بين أبناء المجتمع كافة. فالأمم تُبنى بالأخلاق والعلم، ومتى صِينَ المعلّم صِينَ المستقبل، وقيل للصابرين: أَبْشِرُوا.

تصنيفات :