
عنوانٌ يحمل الشمولية والموضوعية؛ فالكِبَر يحمل معه الضعف أو العجز أحيانًا، وكلُّنا بحاجة إلى العون والمساعدة حين نعجز عن أمرٍ ما. فما بالكم إذا كان الأمر يتعلق بمن كانا لنا عونًا سنينَ طوالًا، حين كنّا في عجزنا وضعفنا لا نعرف ما يدور حولنا، حتى هدانا الله بهما إلى ما يحبّان لنا؟ لقد حرما أنفسهما ملذّات الحياة والراحة من أجل أبنائهما.
لذلك قرن الله عزّ وجلّ الإحسان إلى الوالدين بعبادته، فقال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
وحتى لو كان أحدهما أو كلاهما على ضلال في عقيدته أو سلوكه، أو أمرا بشيءٍ ليس فيه طاعةٌ لله، فإنّ حقّهما في حُسن الصحبة باقٍ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.
ومن أعظم ما يُسديه الأبوان إلى أبنائهما هدايتُهم إلى طريق الحق والهدى؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. هذا فضلًا عمّا احتملاه من عناء التربية والعناية والطبابة والنفقة بسائر أنواعها، وما قدّماه من رحمةٍ وعطفٍ حين كان الأبناء في ذروة ضعفهم. فكان من الواجب أن يُرَدّ هذا المعروف، ويُوفَّى به حين تدور السنون ويضعف الوالدان.
قال رسول الله ﷺ:” ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا” وهذا في حقّ سائر الناس، فكيف بأقرب الأقربين؟
بل لعِظَم شأن الوالدين، جعل الله الإحسان إليهما من الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
وجعل رعايتهما في ضعفهما وعجزهما عملًا عظيمًا؛ فقد جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد، فقال له:” أحيٌّ والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد”.
ولمّا صار الوالدان في حاجةٍ إلى أبنائهما، كما كان الأبناء في حاجةٍ إليهما، كان السعي في إعالتهما في سبيل الله. فقد رأى الصحابة رجلًا أعجبهم نشاطه، فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله! فقال النبي ﷺ:” وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله”.
فعجبًا لمن يستعجل عقوبة الله بعقوق والديه عند كِبَرهما، ويضع كلّ ذلك الأجر والثواب خلف ظهره! قال رسول الله ﷺ:” ما من ذنبٍ أجدرُ أن يُعجِّلَ اللهُ لصاحبه العقوبةَ في الدنيا، مع ما يدّخر له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم”.
رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا.
تصنيفات : قضايا و مقالات