
الحمد للّه، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونعظّمه، ونصلّي ونسلّم على خير من خلق وأرسل، النّبيّ المبجّل محمّد بن عبد اللّه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد، أيّها الكرام، يا أحباب الرّحمن:
إنّ من أعظم المصائب الّتي يعيشها الإنسان أن يعيش بلا هدف، أو معنى، أو مبدأ؛ لا يعلم لماذا خلق، ولا ما الأعمال الّتي يجب عليه القيام بها. يكون كالهائم على وجهه في الصّحراء، لا يعرف شرقا من غرب، يدور حول نفسه حتّى يهلك على هذا الحال، فتأكل الأرض بدنه، وتغطّي الرّمال عظامه.
لقد وعى نبيّنا عليه السّلام هذا الأمر قبل بعثته، فلجأ إلى غار حراء، يعتزل النّاس وما خالط حياتهم من أرجاس الشّرك والخمر والظّلم؛ لأنّه أيقن أنّ هذه الحياة ليست الحياة الّتي خلق ليعيشها، بل خلق لهدف أسمى من ذلك. وبقي على حاله حتّى جاءه الوحي من ربّه، فدلّه على الطّريق، وكلّفه ربّه بتبليغ رسالة الإسلام. فجعلها عليه السّلام هدفه وغايته، وعاش لأجلها، وجاهد في سبيل تحقيقها حتّى لقي اللّه وهو على ذلك.
لقد كان مبدأ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم واضحا وضوح الشّمس في كبد السّماء، وهو تبليغ دين الإسلام مهما كلّفه هذا الأمر. تحمّل لأجل مبدئه الكثير؛ فقد أوذي في نفسه وأهل بيته، فصبر ولم يجزع، ولم يتراجع عن مبدئه، وأصرّ على إكمال الرّسالة. قوطع وحوصر في شعب أبي طالب، فلم يلن له عزم، واستمرّ في دعوته، وثبت على مبدئه.وسافر إلى الطّائف ماشيا، وعرض دين الإسلام على أشرافها، فتلقّى منهم أسوأ الرّدود، بل سلّطوا عليه غلمانهم وعبيدهم يرجمونه ويسبّونه، عليه الصّلاة والسّلام. فتحمّل كلّ هذا، وثبت ولم يتراجع. وعرض عليه ملك الجبال أن يطبق على أهل الطّائف الجبلين، فرفض عليه السّلام ذلك؛ لأنّه يعلم أنّه أرسل رحمة للعالمين. وبقي ثابتا على مبدئه، ولم يتراجع قيد أنملة.
لقد ضحّى نبيّنا عليه السّلام في سبيل هذا الأمر، فبذل ماله ونفسه في سبيل مبدئه، عاملا بما جاء في قوله تعالى:
﴿يا أيّها الّذين آمنوا هل أدلّكم علىٰ تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون باللّه ورسوله وتجاهدون في سبيل اللّه بأموالكم وأنفسكم ۚ ذٰلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنّات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيّبة في جنّات عدن ۚ ذٰلك الفوز العظيم﴾ [الصّفّ: 10–12].
ثمّ علّم أصحابه أن يضحّوا من أجل مبدئهم، فكانوا خير التّلاميذ، وانطلقوا في الأرض يفتحون بلدانها وقراها شرقا وغربا، يحملون رسالة الإسلام الخالدة، حتّى وصلوا إلى مناطق في فرنسا.
وكانت معركة بلاط الشّهداء من أبرز المعارك الّتي وقعت خلال تقدّم الجيوش الإسلاميّة في فرنسا. وقد سمّيت بهذا الاسم لكثرة من قتلوا فيها من المسلمين، وكانت امتدادا لسعي القادة إلى نشر الإسلام في أوروبّا. فجيّشوا الجيوش، وثبتوا وقاتلوا من أجل هدفهم ومبدئهم.
وقبل معركة بلاط الشّهداء، وقعت معركة تولوز بقيادة السّمح بن مالك الخولانيّ، وقتل فيها السّمح، فتولّى عبد الرّحمن الغافقيّ قيادة ما بقي من الجيش وانسحب به.
ثمّ تولّى ولاية الأندلس عنبسة بن سحيم الكلبيّ. وبعد سنوات، تولّى عبد الرّحمن الغافقيّ ولايتها، وقاد الجيش في معركة بلاط الشّهداء، وقتل فيها وهو يخوض المعركة.
يقول الحقّ جلّ وعلا:
﴿إنّ اللّه اشترىٰ من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة ۚ يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون ۖ وعدا عليه حقّا في التّوراة والإنجيل والقرآن ۚ ومن أوفىٰ بعهده من اللّه ۚ فاستبشروا ببيعكم الّذي بايعتم به ۚ وذٰلك هو الفوز العظيم﴾ [التّوبة: 111].
من جعل رضا اللّه مبدأه وهدفه ومبتغاه، يضحّي بأيّ شيء في سبيله.
تصنيفات : قضايا و مقالات