أثر التكنولوجيا والألعاب الإلكترونية في حياة الطفل الفلسطيني: الفرص التربوية والمخاطر السلوكية، أ. يوسف خضر الحصري
سبتمبر 30, 2026
للمشاركة :

أصبحت التكنولوجيا جزءًا من حياتنا اليومية، ودخلت إلى البيت والمدرسة وغرف الأطفال، وأصبح الهاتف الخلوي رفيقًا دائمًا لكثير من الأطفال.

إنّ التكنولوجيا سلاح ذو حدّين، وهي نعمة تحتاج إلى حُسن استخدام؛ فلا يُترك الطفل أمامها بلا هدفٍ أو توجيه، فالإنسان مسؤول عن كيفية استخدامها. قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8].

على المربّي الذي يسعى إلى بناء شخصية طفله وعقله وقيمه وعلاقاته الاجتماعية أن يحرص على حُسن استخدامه للهاتف؛ لأنّ ما يتكرّر أمام الطفل اليوم قد يتحوّل غدًا إلى عادة، ويصبح جزءًا من تفكيره وسلوكه. ولا تقف الألعاب الإلكترونية والمواقع المختلفة في صفٍّ واحد؛ فهناك ألعاب تعليمية يمكن للطفل الاستفادة منها، وألعاب تعتمد على التحدّي وحلّ المشكلات والتخطيط.

وتنبع خطورة الألعاب الإلكترونية حين يصبح الطفل غير قادرٍ على التوقّف؛ فيتنقّل من موقعٍ إلى آخر، ويغضب وينفعل عندما يُطلب منه التوقّف، ويؤجّل واجباته، ويقلّ تواصله مع أسرته، ويترك اللعب الحقيقي والحركة والنشاط البدني مع أقرانه. وقد تضطرب ساعات نومه، ويصبح عالمه افتراضيًا، ويستمدّ قيمه من جهازه، ويجد نفسه أمام محتويات لا تتناسب مع عمره أو قيمه.

يفهم بعض الآباء التربية على أنها توفير الطعام والشراب والملابس والتعليم وغيرها من الاحتياجات المادية، لكنّ الطفل يحتاج أيضًا إلى أبٍ يسمع، وأمٍّ تحاور، وأصدقاء يلعب معهم، ومجتمع يشعر فيه بالأمن والانتماء والطمأنينة.

والخطأ في التربية أن يصبح الهاتف الرفيق الدائم للطفل، وأن يلجأ إليه كلما واجه مشكلة أو أراد قضاء وقته، حتى يصبح اللجوء إلى الهاتف أقرب إليه من الحديث مع والده الجالس أمامه.

والمسؤولية تقتضي ألّا نكون قريبين جسديًا ومتباعدين نفسيًا، كلٌّ في عالمٍ مختلف، مع أننا موجودون في المكان نفسه.

وتحتّم المسؤولية على الوالدين ألّا يقتصرا على مراقبة الجهاز، بل أن يُربّيا الطفل الذي يستخدمه ويُنمّيا وعيه. فالأب والأم بحاجة إلى بناء الرقابة الذاتية لدى الطفل، حتى يميّز بين الغثّ والسمين، وبين المناسب وغير المناسب. عندها تنتقل التربية من رقابة الوالدين إلى رقابة الذات والضمير.

لذلك، ليس الحلّ في المنع الكامل، ولا في الإطلاق الكامل، بل في الاستخدام الرشيد الذي تحكمه قواعد واضحة، وتجيب عن أسئلة محدّدة:

  • ما الوقت المسموح للاستخدام؟
  • أين يستخدم الطفل الجهاز؟
  • ما المحتوى المسموح له بمشاهدته؟
  • متى يكون الوقت مناسبًا للاستخدام؟
  • ماذا يفعل إذا واجه محتوى غير مناسب أو تواصل معه شخص مجهول؟
  • ماذا يفعل إذا تعرّض لتنمّر إلكتروني؟

ويحتاج الطفل إلى أن يتعلّم كيف يستخدم التكنولوجيا، وكيف يحمي خصوصيته، وكيف يميّز بين المعلومة الصحيحة والمعلومة المضلّلة.

ويحتاج كذلك إلى أن يرى والديه قدوة؛ فلا يسمع منهما شيئًا ويرى منهما ما يخالفه. إنّ مسؤولية الوالدين لا تقتصر على توفير الجهاز ثم ترك الطفل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].

ليست مسؤوليتنا تجاه أطفالنا في فلسطين أن نعزلهم عن العصر، وإنما أن نعلّمهم كيف يعيشون فيه دون أن يفقدوا دينهم وقيمهم وعلاقاتهم وطفولتهم؛ فهذا الطفل هو الذي سيحمل مستقبل المجتمع.

هذا الطفل الذي نربّيه تربيةً صحيحة سيكون غدًا أبًا، ومعلّمًا، ومهندسًا، وطبيبًا، وقائدًا. نريد له أن يستفيد من التكنولوجيا، لا أن يصبح عبدًا لها. نريد له أن يحمل الهاتف، لا أن يحمل الهاتفُ عقلَه، وأن يكون واثقًا بدينه وقيمه، بعيدًا عن العنف والسلوك العدواني.

نريد أسرةً لا تجعل الجهاز الإلكتروني بديلًا عن الأب والأم، ولا تجعل الشاشة مربّيةً للطفل.

تصنيفات :