
الحمد لله الذي أنعم علينا بالخيرات، وأخرج لنا من الأرض بركاتها، وجعل في ثمارها آياتٍ تدل على عظيم قدرته، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي علَّمنا أن المال أمانة، وأن شكر النعمة لا يكون باللسان وحده، بل بالطاعة والبذل والإحسان.
مشروعية زكاة الزيتون وأدلتها
القول المعتمد في بلادنا هو وجوب الزكاة في الزيتون، وقد استدل فقهاؤنا على ذلك بأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية، منها:
أولًا: من القرآن الكريم
قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141].
والحق المذكور في الآية هو الزكاة المفروضة.
ثانيًا: من السنة النبوية
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» (رواه البخاري).
ويدخل الزيتون عمومًا في الثمار التي تُسقى بماء المطر.
نصاب زكاة الزيتون بالوزن
يُقاس نصاب الزيتون بنصاب الزروع والثمار الأخرى، وهو خمسة أوسق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (متفق عليه).
والوسق ستون صاعًا، وبذلك يكون النصاب ثلاثمائة صاع نبوي.
أما في المقاييس المعاصرة، فيختلف تقدير هذا النصاب بالوزن بحسب طبيعة الحب ونسبة جفافه، وتقدِّره المجامع الفقهية ودور الإفتاء بما يعادل 647 كيلوغرامًا تقريبًا من ثمار الزيتون.
فإذا بلغت كمية الزيتون المقطوفة هذا الوزن أو تجاوزته، وجبت فيها الزكاة.
مقدار الزكاة الواجب إخراجها وطريقة إخراجها
يُحدَّد مقدار الزكاة بناءً على الجهد والتكلفة المبذولين في ري الأشجار، وذلك على النحو الآتي:
1. العُشر كاملًا (10%): إذا كانت أشجار الزيتون تُسقى بماء المطر دون تكلفة أو مشقة على المزارع، وهو الغالب في مزارع الزيتون.
2. نصف العُشر (5%): إذا كان المزارع يسقي الأشجار باستخدام الآلات والمضخات، ويتحمَّل تكاليف ريِّها.
أما كيفية إخراج الزكاة، ففي الفقه طريقتان جائزتان:
أولًا: إخراج الزكاة من الزيت
وهو الأفضل والأنفع للفقراء إذا عُصر الزيتون؛ إذ يُخرج المزارع العُشر أو نصف العُشر من كمية الزيت الناتجة عن عصر الزيتون.
ثانيًا: إخراج الزكاة من ثمار الزيتون
يجوز ذلك إذا كان المزارع يبيع الزيتون ثمارًا ولا يعصره؛ فيُخرج النسبة المطلوبة من وزن الثمار نفسها، أو يُخرج القيمة نقدًا بما يعادل الزكاة المستحقة، تيسيرًا على الفقراء والمساكين.
خصم التكاليف والديون
تُجمع آراء المجامع الفقهية المعاصرة على أن للمزارع الحق في خصم التكاليف الأساسية التي أُنْفِقَت على المحصول خلال العام، مثل أجور العمال، وتكاليف العصر، وأثمان الأسمدة، من إجمالي الناتج، ثم يُزكِّي ما تبقَّى إذا بلغ النصاب (647 كيلوغرامًا فأكثر)، وذلك تقديرًا لجهد المزارع، وتحقيقًا لعدالة الشريعة الإسلامية التي لا تُكلِّف نفسًا إلا وُسعها.
الخاتمة
زكاة الزيتون طُهرة لمال المزارع، وبركة في محصوله، وهي حق أصيل للفقراء والمساكين، يُسهم في تحقيق التكافل الاجتماعي وتعزيز قيم التراحم بين أبناء المجتمع الواحد.
تصنيفات : قضايا و مقالات