
لم تكن الأم الفلسطينية يومًا مجرد حارسة للبيت ومربية للأبناء، بل كانت المدرسة الأولى التي تغرس القيم، والحاضنة للهوية الوطنية والثقافية، والشريكة في بناء الأسرة والمجتمع. ومع تعاقب الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تضاعفت أدوارها ومسؤولياتها، لتجد نفسها معيلةً ومربيةً وسندًا نفسيًّا، تخوض معارك الحياة اليومية بصمت، وتزرع الأمل في قلوب أبنائها رغم قسوة الواقع.
في فلسطين، تتحد حكاية الأم بحكاية الأرض، فلا تنفصلان؛ فهي أم الشهيد والأسير والجريح، وهي التي تواجه الفقد والاعتقال والنزوح، وتحتضن أبناءها حين يُثقل الخوف أرواحهم. ولا تكتفي بالصمود أمام المحن، بل تحاول أن تصنع من الألم نافذةً للأمل، وتحافظ على تماسك أسرتها في ظروف تهدد أبسط مقومات الحياة.
في القدس والضفة الغربية، تتفاقم أعباء الأسرة بفعل الاحتلال والاستيطان والحواجز وصعوبات التنقل، فضلًا عن تراجع الموارد الاقتصادية، ومحدودية فرص العمل، وصعوبة الوصول إلى الخدمات. أما في قطاع غزة، فقد تحوَّل تأمين احتياجات الحياة الأساسية، من توفير الماء والغذاء إلى البحث عن مأوى والحصول على الرعاية الصحية، إلى معركة يومية من أجل البقاء. وفي هذه المناطق المثقلة بالألم، تتشابه أسئلة الأمهات: كيف أحمي أطفالي؟ وكيف أوفر احتياجاتهم حين تضيق الخيارات أو تنعدم؟
لم يعد الدور الاقتصادي للأم مقتصرًا على إدارة ميزانية المنزل؛ إذ أصبحت كثيرات من الأمهات يُسهمن في إعالة الأسرة من خلال العمل، أو يتحملن المسؤولية منفردات عند غياب المعيل أو تعذُّر عمله، دون أن تتراجع أعباء الرعاية المنزلية وتربية الأبناء. وهكذا تجد الأم نفسها أمام عمل مزدوج: عمل مدفوع الأجر حين تتاح الفرصة، وآخر غير مدفوع الأجر يتعلق برعاية الأسرة وتدبير شؤونها اليومية.
وتكشف بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة حجم هذه المسؤوليات في غزة؛ إذ أشار تقرير للهيئة، صدر في حزيران/يونيو 2024، إلى أن 77% من المشاركين في استطلاعها رأوا أن رعاية الأطفال، بما تشمله من تغذية وعناية جسدية، تقع أساسًا على عاتق الأم. كما وثَّق التقرير اضطرار بعض النساء إلى تقليل طعامهن كي يتمكن أطفالهن من تناول الطعام. إنها صورة موجعة لأمهات يُقدِّمن احتياجات أبنائهن على احتياجاتهن، حتى حين يكنَّ بأمسِّ الحاجة إلى الغذاء والعلاج والراحة.
ولا تقف المعاناة عند حدود الأعباء المادية؛ فهناك عبء نفسي صامت لا تراه العيون. تحاول الأم منح أطفالها شعورًا بالأمان في بيئة تفتقر إليه، وتهدئة مخاوفهم، ومساعدتهم على تجاوز الفقد والحرمان، بينما تكتم قلقها وتعبها. وقد وثَّقت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، في تقريرها «إنذار بشأن النوع الاجتماعي: غزة، حرب على صحة النساء»، الصادر في أيلول/سبتمبر 2024، المخاطر الصحية المتفاقمة التي تواجه النساء في ظل تضرُّر المرافق الصحية وتعطُّل الخدمات. وهذا يؤكد أن الأم تتحمل أيضًا تبعات غياب الخدمات التي تحتاج إليها أسرتها.
إن الإشادة بصمود الأم الفلسطينية لا ينبغي أن تصبح مبررًا لتركها تواجه الأعباء وحدها؛ فالصمود ليس موردًا لا ينفد، والتضحية ليست بديلًا عن الحقوق. ومن هنا، تبرز ضرورة توفير فرص العمل اللائق، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وإتاحة خدمات الرعاية الصحية والنفسية والحضانات ميسورة التكلفة، إلى جانب تقاسم مسؤوليات الرعاية بين أفراد الأسرة، وتفعيل دور المؤسسات الرسمية والأهلية في دعم الأمهات والاستجابة لاحتياجاتهن.
فالأم الفلسطينية ليست رمزًا للصمود فحسب، بل هي إنسانة لها حقوق وأحلام واحتياجات، وتستحق أن تجد من يسندها كما تسند الآخرين. إن دعمها مسؤولية مجتمعية ووطنية، واستثمار في استقرار الأسرة ومستقبل الأجيال. ولا بد من تحويل التعاطف معها إلى سياسات ومبادرات مستدامة تضمن كرامتها، وتمنحها فرصًا عادلة للمشاركة في الحياة العامة، وتخفف عنها أعباء الرعاية المتراكمة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعًا هو: كيف نبني مجتمعًا متقدمًا، قادرًا على التحرر والنهوض، فيما نترك الأم الفلسطينية وحدها تتحمل أعباء الحياة ومسؤولية صناعة المستقبل؟
تصنيفات : قضايا و مقالات