
من أعظم ما يرسّخه القرآن الكريم في وعي الإنسان أن التاريخ ليس سلسلة أحداث عشوائية، ولا مسيرة قوى تتحكم فيها المصادفات، بل هو خاضع لسننٍ إلهية ثابتة لا تتبدّل. ومن أهم هذه السنن أن الظلم مهما طال زمانه، وتعاظمت أدواته، واستند إلى القوة والبطش، فإن مصيره إلى الزوال والانكسار. قد يتأخر سقوطه، وقد يشتد بطشه في بعض المراحل، لكن النهاية التي خطّها الله في ميزان العدل الكوني تبقى واحدة: سقوط الظلم وبقاء الحق.
ولهذا يدعونا القرآن الكريم إلى قراءة التاريخ بعين البصيرة، لا بعين الانبهار بالقوة الظاهرة، فيقول تعالى:
(وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ)
تفتح هذه الآية باب التأمل في مصائر الأمم التي سبقت، فقد كانت هناك أمم أشد بطشًا، وأعظم قوة، وأكثر انتشارًا في الأرض. جابت البلاد، ووسّعت سلطانها، وظنّت أن قوتها مانعة لها من السقوط، وأن سلطانها كفيل بتخليدها في التاريخ. ولكن سنّة الله كانت ماضية لا تتخلّف، فسقطت تلك القوى، واندثرت تلك الإمبراطوريات، وبقيت آثارها شاهدة على أن القوة المجردة من العدل لاتدوم.
إن القرآن حين يذكر هذه النماذج لا يقصّها لمجرد السرد التاريخي، بل ليوقظ الوعي، ويزرع اليقين في النفوس بأن الظالم مهما بدا متماسكًا، فإن في داخله بذور سقوطه. والتاريخ – من أوله إلى آخره – يكاد يصرخ بهذه الحقيقة:
أين الجبابرة الذين ملؤوا الأرض صخبًا؟
وأين الطغاة الذين ظنّوا أن سلطانهم لا يزول؟
لقد تعاقبت أمم ودول وإمبراطوريات بلغت من القوة ما لم تبلغه غيرها، ثم أصبحت صفحاتٍ في كتب التاريخ. وهذا يدل على أن سنّة الله في هلاك الظالمين لا تتوقف عند زمان أو مكان، بل هي قانون ماضٍ في كل عصر.
غير أن القرآن الكريم، وهو يرسّخ هذه الحقيقة، لا يدعو إلى الاتكال أو انتظار التغيير دون عمل، بل يضع للمؤمنين منهجًا واضحًا في مواجهة الظلم، قائمًا على الصبر والثبات والعمل المستمر. يقول تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
تجمع هذه الآية أركان الطريق إلى النصر والفلاح. فالصبر هو القدرة على تحمّل الشدائد دون انكسار، والمصابرة تعني الثبات أمام الخصوم وعدم الاستسلام لضغوط الواقع، أما المرابطة فهي دوام اليقظة والاستعداد لحماية الحق والدفاع عنه. ثم تأتي التقوى لتكون روح هذا كله، فهي التي تضبط العمل، وتربطه بالله، وتجعل السعي خالصًا في سبيل الحق.
وعندما تجتمع هذه المعاني في الأمة، فإنها تتحول من مجرد جماعة متألمة من الظلم إلى قوة قادرة على تغييره. عندها يتحقق وعد الله، وتتجلى سننه التي لا تتخلف: يزول الباطل مهما طال أمده، ويبقى الحق مهما اشتدت المحن.
إن قراءة التاريخ في ضوء القرآن تمنح الإنسان طمأنينة عميقة، لأن الأحداث مهما تعقّدت تبقى محكومة بعدل الله وحكمته. فربما ينتفخ الظلم في بعض المراحل، وربما يظن الناس أن قوته لا تقهر، لكن السنن الإلهية تمضي في صمت حتى تأتي اللحظة التي يسقط فيها الظلم سقوطًا مدويًا.
وهكذا يظل القرآن يذكّر الإنسان بحقيقة لا تتغير عبر العصور: أن العدل هو أساس البقاء، وأن الظلم – مهما تجبّر – طريقه إلى الزوال، ولا يدوم الظلم في الأرض منذ أن خلق آدم وحواء على الأرض، لأن الكون مبني على سنن وقوانين كونيه ثابته تأبى عدم الاستقرار لأن الظلم يحمل في طياته بذور فنائه، فقد حرم الله الظلم على نفسه وجعله محرما بين عبادة وتوعد الظالمين بالعقاب، ووعد بنصرة المظلوم ولو بعد حين.
وتثبت وقائع التاريخ أن الظالم مهما طغى وتجبر فإنه زائل..ومن أبرز الشواهد غرق فرعون وجنوده حيث كان يتربع على عرش مصرويستضعف بني إسرائيل ويقتل أبناءهم ويستحي نساءهم حتى بلغ كبرياؤه أن قال: أنا ربكم الأعلى،
وعندما حق الحق أغرق الله فرعون وجنوده في اليم في لحظة واحدة وأورث الأرض للمستضعفين، ومثل آخر
نهايه هولاكو وانهيار المغول والتتار، حيث اجتاح التتار والمغول بقيادة هولاكو.. العالم الإسلامي وأسقطوا بغداد وسفكوا الدماء بلا رحمة، ولم تمض سنوات حتى انكسر جيشهم في معركة عين جالوت وانقلب التتار من غزاة مستبدين إلى ذائبين في حضارات الشعوب التي ظلموها وسقط جبروتهم.
“وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ”
الظلم ظلمات والله يمهل ولا يهمل
“كل ساق ٍسيسقى بما سقى يوما ما ولا يظلم ربك أحدا”
الدنيا ستدور … والمشاهد ستعاد … والأدوار ستتبدل ..
يوما ما ستفهم أن الدنيا تدور ثم تعود وتقف عندك ! لتفعل بك ما فعلته بغيرك.!
كل زارع سيحصد مازرع وما كان ربك نسيا.
فمن قهر سيُقهر ومن ضرّ سيُضّر ومن ظلم سيُظلم.
كل ساق سيسقى بالكأس الذي سقى منه غيره..
تصنيفات : قضايا و مقالات