
ليست أزمة المجتمعات الإسلامية اليوم في كثرة الخلافات التي تنشأ بين أفرادها؛ فالاختلاف من لوازم الاجتماع البشري، وإنما تكمن الأزمة في عجزها المتزايد عن معالجة هذه الخلافات، وتحويلها من أسباب للتنازع إلى فرص لاستعادة التوازن الأخلاقي والاجتماعي. وحين يصبح الهجر أيسر من الوصل، والخصام أقرب إلى النفوس من الصفح، فإننا لا نكون أمام خلل في العلاقات الفردية فحسب، بل أمام عطب في البنية الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع.
لقد جاء الإسلام ليُخرج الإنسان من ضيق الأنانية والفردانية إلى سعة الأخوة ومفهوم الأمة الجامعة، ومن سلطان الأهواء إلى ميزان القيم، فجعل العلاقة بين المؤمنين رابطة إيمانية تتجاوز المصالح العارضة والروابط المؤقتة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10]. ولم يكتفِ القرآن بتقرير الأخوة مبدأً نظريًّا، بل ألحق بها تكليفًا عمليًّا هو الإصلاح؛ لأن القيم التي لا تتحول إلى سلوك تفقد قدرتها على بناء الإنسان وصناعة المجتمع.
ومن هنا نفهم لماذا ارتقى الإسلام بإصلاح ذات البين من مرتبة العمل الاجتماعي إلى منزلة العبادة، فقال سبحانه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114]. فالإصلاح ليس مجرد تسوية لخلاف عابر، وإنما هو إعادة بناء للثقة، وترميم لما تصدَّع من العلاقات، وحماية للمجتمع من أن تتحول خصومات أفراده إلى أحقاد جماعية تتوارثها الأجيال.
ولعل من أعمق الدلالات النبوية في هذا الباب قوله ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قالوا: بلى، قال: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ» [رواه أبو داود والترمذي]. والحالقة هي القاطعة التي تستأصل ما تمر به، فتقطعه من جذوره. إن هذا التوجيه يكشف عن بُعدٍ كثيرًا ما يغيب عن وعينا وإدراكنا لمعنى التعبد؛ فالعبادة ليست محصورة في علاقة الإنسان الفردية بربه فحسب، بل تتجلى كذلك في قدرته على تحويل إيمانه إلى قوة أخلاقية تحفظ الروابط الإنسانية، وتصون المجتمع من التفكك.
ولم يكن هذا المعنى غائبًا عن الممارسة النبوية؛ فقد خرج رسول الله ﷺ بنفسه للإصلاح بين أهل قباء حين وقع بينهم اقتتال، وقال لأصحابه: «اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ» [رواه البخاري]. وهنا تتجلى حقيقة مهمة، وهي أن الإصلاح ليس وظيفة هامشية يتولاها من فرغ من شؤونه، بل مسؤولية يتصدى لها أصحاب الرسالة والدعوة والعلم؛ لأن بناء المجتمع لا ينفصل عن صيانة العلاقات التي يقوم عليها.
وتأتي قصة أبي بكر الصديق مع مِسطح بن أُثاثة، رضي الله عنهما، لتكشف عن مستوى آخر من التربية الإيمانية؛ فبعد أن خاض مِسطح في حديث الإفك، حلف أبو بكر أن يقطع عنه نفقته، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22]. فعاد أبو بكر إلى الإنفاق عليه. لقد انتصر في تلك اللحظة الدافع الإيماني الراسخ على اندفاع النفس، وتقدمت قيمة المغفرة على الرغبة في الانتصار للذات.
غير أن هذا البناء الأخلاقي لا يستقيم إذا تحوَّل الإصلاح إلى غطاء للظلم أو وسيلة لإسكات المظلوم؛ فالقرآن يقرر: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات: 9]. فالعدل ليس نقيضًا للصلح، بل شرط في استقامته؛ لأن الصلح الذي يقوم على إهدار الحقوق لا يعالج أسباب النزاع، وإنما يؤجل انفجاره.
وإذا تأملنا واقعنا اليوم، وجدنا مفارقة مؤلمة؛ فقد تتسع دائرة الخطاب الديني، وتكثر المواعظ والمحاضرات، بينما تضيق مساحة التسامح، وتشتد الخصومات بين الأقارب والجيران، بل بين العاملين في مجال الدعوة أنفسهم. وهنا يظهر الفارق بين مجتمع يمتلك خطابًا عن الأخلاق، ومجتمع تحوَّلت الأخلاق فيه إلى قوة فاعلة تنظم علاقاته.
إن إحياء عبادة الإصلاح بين الناس ليس ترفًا أخلاقيًّا، بل ضرورة لإعادة بناء الإنسان المسلم وعلاقاته الاجتماعية. فالأمة لا تستعيد تماسكها بمجرد الحديث عن وحدتها، وإنما تستعيده حين يتعلم أفرادها كيف يتجاوزون أهواءهم، ويضبطون خلافاتهم، ويقدمون مقتضيات الأخوة على حظوظ النفوس.
ولعل من أعظم ما نحتاج إلى استعادته اليوم أن ندرك أن إصلاح قلبين متخاصمين قد يكون أبلغ في بناء الأمة من خطابات طويلة عن وحدتها؛ فالحضارة لا تُبنى بالأفكار التي نعلنها فحسب، وإنما بالقيم التي نُحسن تجسيدها في واقع الحياة.
﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: 170].
تصنيفات : قضايا و مقالات