من معركة الكلمة إلى صناعة النهضة، أ. مارية محاجنة
أكتوبر 31, 2026
للمشاركة :

﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف: 8].

آية تختصر تاريخًا طويلًا من محاولات طمس الحق وتغييب الهداية، وتكشف ببلاغة نافذة حقيقة الصراع بين النور والظلمة عبر العصور، رغم تغيُّر الوجوه وتبدُّل الأدوات.

لقد حاول أعداء الحق في كل عصر إطفاء نور الله بالكلمة؛ بالكذب والتشويه والدعاية وصناعة الروايات الزائفة. واليوم لا يختلف المشهد كثيرًا؛ فأفواه الأمس تحوَّلت إلى شاشات ومنصات وخطابات رقمية مدروسة، لكن جوهر المحاولة بقي واحدًا: حجب النور ومنع الكلمة الصادقة من بلوغ القلوب.

يقول سيد قطب في «ظلال القرآن»: «وهذا النص القرآني يعبر عن حقيقة، ويرسم في الوقت ذاته صورة تدعو إلى الرثاء والاستهزاء! فهي حقيقة أنهم كانوا يقولون بأفواههم: (هذا سحر مبين). ويدسون ويكيدون محاولين القضاء على الدين الجديد. وهي صورة بائسة لهم وهم يحاولون إطفاء نور الله بنفخة من أفواههم وهم هم الضعاف المهازيل! (والله متم نوره ولو كره الكافرون) »

وفي زماننا، تغيَّرت ميادين الصراع، وتقدَّمت ساحات الوعي لتصبح الجبهة الأولى.

فالكلمة، سواء أكانت في مقال أم برنامج أم محاضرة أم محتوى رقمي، قادرة اليوم على توجيه العقل الجمعي، وصياغة الرأي العام، وإعادة تشكيل القناعات بعمق لا يُستهان به.

ولهذا تعتمد أنظمة الاستبداد ومراكز النفوذ على أدوات دقيقة، تتمثل في حملات إعلامية مُحكَمة، وصياغات لغوية مموَّهة، وخطاب نفسي يستغل الخوف أو اليأس، وتضخيم بعض الأحداث أو التعتيم عليها، وصناعة رموز زائفة، وفرض تفسير أحادي للواقع. كل ذلك لصناعة «وعي بديل» يُلبس الحق ثوب الباطل، ويُظهر الباطل في صورة الحق.

لكن الآية القرآنية تبقى صريحة؛ فكل تلك المحاولات مجرد نفخات في وجه نور الله. وإذا كان أهل الباطل قد استثمروا في الكلمة وجيَّشوها في كل اتجاه، فليس من الحكمة أن يقف أهل الحق موقف المتفرج.

ومن هنا، فإن المعركة لا تتوقف عند مواجهة الكلمة بالكلمة، وإنما تمتد إلى الإنسان نفسه؛ إلى وعيه وإرادته وقدرته على الفعل. فالأمم لا تنهض إلا حين تدرك أن القوة الحقيقية تكمن في الإنسان؛ في عقله وإرادته، وفي استثمار الطاقات الكامنة لدى كل فرد من أفراد المجتمع. فالنهضة لا تُستورد، بل تُبنى من الداخل، عبر تفعيل دور كل شريحة في ميدانها وتخصصها.

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المصالح، من المؤسف أن نجد كثيرًا من أبناء الشعوب العربية والإسلامية، بل حتى بعض النخب الفكرية، يعلِّقون آمالهم على «مخلِّص» خارجي، أو ينتظرون انهيار مستبد، أو يراهنون على انقسامات داخلية وصراعات لدى الخصم، حتى تستعيد الأمة مجدها.

هذا النمط من التفكير الاتكالي لا يصنع نهضة، بل يُكرِّس التبعية لهيمنة الخصم، والجمود على عادات أورثت الكسل والبلادة وضعف الفاعلية.

وقد لاحظنا مؤخرًا موجة الفرح التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي عقب فوز زهران ممداني في انتخابات رئاسة بلدية نيويورك؛ وهو شعور مفهوم ومشروع، فالأمة تتوق إلى لحظة انتصار، ولو كانت رمزية. لكن تحويل هذا الفوز إلى أمل لحل مشكلاتنا هو ضرب من الأماني. فقد خاض ممداني حملة انتخابية قدَّم فيها برنامجًا سياسيًا واقتصاديًا ركَّز على قضايا مثل تكلفة المعيشة والسكن ورعاية الأطفال والنقل، وطرح نفسه بوصفه ديمقراطيًا اشتراكيًا.

والدرس هنا ليس في ممداني بحد ذاته، ولا في تحويل تجربة مدينة إلى نموذج جاهز لأمتنا، وإنما في أن التغيير يحتاج إلى عمل منظَّم، وبرامج وأدوات، وقدرة على مخاطبة الناس وتلبية احتياجاتهم. وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن نتوقف عنده، بدل الاكتفاء بالاحتفاء بالرمزية.

إنه تذكير بأن التغيير لا يأتي من الخارج، بل من الداخل؛ من الفكر والوعي، ومن التخطيط الاستراتيجي، ومن النظر إلى المستقبل بثقة وعقلانية.

يفرض واجب المرحلة وجود أقلام صادقة، وكُتَّاب واعين، ومتحدثين ذوي رسوخ علمي، ومحتوى يعالج شبهات العصر، وخطاب يواكب تطوُّر الوسائل الحديثة، وأناس يتحركون في ميادينهم وتخصصاتهم، كلٌّ من موقعه وبقدر استطاعته.

فمواجهة الكلمة لا تكون بالصمت ولا بالحياد، بل بكلمة أقوى وأصدق وأقوم، ومواجهة العجز لا تكون بانتظار الآخرين، بل بالنهوض بما نستطيع.

وكما قال محمد الغزالي: «إن أقلامنا هذه التي شبَّت على الحق ستظل تقارع أقلامكم التي شابت على الباطل». فالكلمة الحق اليوم ليست ترفًا، بل فرض كفاية؛ إذا قصَّر أهلها تمدَّد الفراغ، ووجد الباطل طريقه إلى العقول، لا بقوة حجته، بل بغياب من يرد عليه.

ومن يتأمل الآية يدرك أن محاولة إطفاء نور الله ليست جديدة، ولن تكون الأخيرة. لكن وعد الله ثابت: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8]، مهما ارتفع الضجيج وتكاثفت محاولات الحجب.

لكن وعد الله لا يعفينا من مسؤوليتنا، ولا يجعلنا ننتظر أن يصنع غيرنا ما يجب أن نصنعه نحن. فالنور الذي لا يستطيعون إطفاءه يحتاج إلى من يحمله، والكلمة التي لا يستطيعون إسكاتها تحتاج إلى من يقولها، والنهضة التي نحلم بها تحتاج إلى من يبدأ خطواتها.

فقُمْ وانهضْ، فأمتك بانتظارك.

ويبقى السؤال مطروحًا أمام أهل الحق جميعًا: هل نترك الساحة لأبواق الظلام تعبث بالعقول والأفكار والإرادات والقيم؟ أم ينهض القلم الصادق، ويقوم الإنسان بدوره، ليقول بثبات:

ها أنا ذا… نورٌ لا يُطفأ.

تصنيفات :